فخر الدين الرازي

13

تفسير الرازي

عليهم فكيف يمكن أن يقال في حقهم أنه * ( سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ) * . والجواب عنه : أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ذلك الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله : * ( وذلة في الحياة الدنيا ) * هو أنهم قد ضلوا فذلوا . فإن قالوا : السين في قوله : * ( سينالهم ) * للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا ؟ قلنا : هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقاً على وقوعهم في القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار . والطريق الثاني : أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التقدير : ففي الآية وجهان : الوجه الأول : أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب . يقولون للأبناء : فعلتم كذا وكذا ، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم ، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل ، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ، ثم حكم عليهم بأنه * ( سينالهم غضب من ربهم ) * في الآخرة * ( وذلة في الحياة الدنيا ) * كما قال تعالى في صفتهم : * ( ضربت عليهم الذلة والمسكنة ) * ( لبقرة : 61 ) . والوجه الثاني : أن يكون التقدير * ( إن الذين اتخذوا العجل ) * أي الذين باشروا ذلك * ( سينالهم غضب ) * أي سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه . أما قوله تعالى : * ( وكذلك نجزي المفترين ) * فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين الله . أما قوله تعالى : * ( والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ) * فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولاً ، وذلك بأن يتركها أولاً ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك . وثانياً : يؤمن بالله تعالى ، ويصدق بأنه لا إله غيره * ( إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) * وهذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران ، لأن قوله : * ( والذين عملوا السيئات ) * يتناول الكل . والتقدير : أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن الله يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين ، والله أعلم .